عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

142

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

الصدر يتضمن حلاوة الحب وفعل المحبوب بموقع الرضا عند المحب الصادق ، لأن المحب يرى أن الفعل من المحبوب مراده واختياره ، فيفنى في لذة رؤية اختيار المحبوب عن اختيار نفسه . كما قيل : وكل ما يفعل المحبوب محبوب . فالرضا على ثلاثة أقسام : رضا العوام بما قسم اللّه لهم من الأرزاق . ورضا الخواص بما قضى اللّه لهم وعليهم بالوفاق ، ورضا الأخص بالمولى من غير النفاق ، وبالرضا يوجد برد اليقين . فصل في اليقين اعلم أن اليقين نور قذفه اللّه تعالى في قلوب المؤمنين والأولياء والأنبياء - عليهم السلام - بحسب مقاماتهم في المعرفة وذلك أن اللّه تعالى إذا اطلع على قلوب عباده المخصوصين بالعناية اطلاع الكرم عند توجههم إلى الحضرة بالصدق وتولههم بالشوق راجعين بقطع التعلقات سطعت أنوار الغيب فيملأ القلوب المصفاة شروق الأنوار التي بها كشوف الأسرار فكل قلب يرى بإراءة الحق تعالى إياه ما يراه بنور اليقين حقيقة غير مشوبة بالريب . ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) [ النّجم : 11 ] وكما قال : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) [ الأنعام : 75 ] ولليقين زيادة ونقصان وضعف وقوة ، يزيد بقدر تصفية القلب عن كدورات صفات النفس وتطهيره عن تلونات الأخلاق الذميمة ، وتنوره بنور الذكر وإشراق أنوار تطلع المذكور والذاكر ، فبدايته : علم اليقين بكشف الأسرار ، ووسطه : عين اليقين بشواهد الآثار . ونهايته : حق اليقين بتتابع الأنوار . قيل لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن عيسى ابن مريم - عليه السلام - كان يمشي على الماء قال : « لو ازداد يقينا لمشى في الهواء » « 1 » . ونقصانه بقدر تدنس القلب يلوث الشهوات وتكدره بشوب الغفلات وقوته في الرضا بالقضاء والصبر على البلاء والتوكل على رب السماء وضعفه بفقد هذه الأشياء . قال « إبراهيم الخواص » : لقيت غلاما في التيه كأنه سبيكة فضة ، فقلت له : إلى أين يا غلام ؟ فقال : إلى مكة . فقلت : بلا زاد ولا راحلة ولا نفقة ؟ فقال لي : يا ضعيف اليقين ، الذي يقدر على حفظ السماوات والأرض لا يقدر على أن يوصلني إلى مكة بلا علاقة . قال : فلما دخلت مكة فإذا أنا به في الطواف وهو يقول :

--> ( 1 ) جامع الأحاديث والمراسيل حديث رقم ( 1367 ) [ ج 3 ص 107 ] . وانظر إحياء علوم الدين للغزالي ، بيان فضيلة الشكر ، [ ج 4 ص 72 ] .